المقريزي
237
إمتاع الأسماع
مثل ذلك ، فلما كان في الثالثة قال له : هل جاءك جبريل ؟ قال : نعم ، قال : فما قال لك ؟ قال : قال لي إن لك رحاء كرحاة ، وحديثا لا تنساه ، قال يقول عيين ، أظن أن قد علم الله سيكون لك حديث لا تنساه ، ثم قال : يا بني فزارة انصرفوا ، انهزم وانهزم الناس على طليحة ، فلما جاءه المسلمون ركب على فرس قد أعدها له ، وأركب امرأته النوار على بعير له ، ثم انهزم بها إلى الشام وتفرق جمعه ، وقد قتل الله طائفة ممن كان معه ، فلما أوقع الله بطليحة وفزارة ما أوقع قالت بنو عامر وسليم وهوازن ندخل فيما خرجنا منه ، ونؤمن بالله ورسوله ، ونسلم لحكمة في أموالنا وأنفسنا . قلت : وقد كان الأسدي ارتد عن الإسلام ، وقال لقومه : والله لنبي من بني أسد أحب إلى من نبي من بني هاشم ، وقد مات محمد وهذا طليحة فاتبعوه ، فوافق قومه بنو فزارة على ذلك ، فلما كسرهما خلد هرب طليحة بامرأته إلى الشام ، فنزل على بني كلب وأسر خالد عيينة بن حصن ، وبعث به إلى المدية مجموعة يداه إلى عنقه ، فدخل وهو كذلك فجعل الولدان والغلمان يطعنونه بأيديهم ، ويقولون : أي عدو الله ، ارتدت عن الإسلام ؟ فيقول : والله ما كنت آمنت قط ، فلما وقف بين يدي الصديق استتابه وحقن دمه ، ثم حسن إسلامه بعد فأسره مع عيينة ، وأما طليحة فإنه راجع الإسلام بعد ذلك أيضا ، وذهب إلى مكة معتمرا أيام الصديق ، واستحيى أن يواجهه مدة حياته ، وقد رجع فشهد القتال مع خالد ، وكتب الصديق إلى خالد : أن استشره في الحرب ولا تؤمره - يعني معاملته له بنقيض ما كان قصده من الرياسة في الباطن - وهذا من فقه الصديق - رضي الله تبارك وتعالى عنه وأرضاه - ، وقد قال خالد بن الوليد لبعض أصحابه طليحة ممن أسلم وحسن إسلامه : أخبرنا عما كان يقول لكم طليحة من لوحي ، فقال : إنه كان يقول الحمام واليمام والصرد والصوام ، قد ضمن قبلكم بأعلام ليبلغن ملكنا العراق والشام ، إلى غير ذلك من الخرافات والهنديانات ( 1 ) .
--> ( 1 ) البداية والنهاية : 6 / 350 .